التاريخ يصنعه العظماء
عبده المخلافيإن الرجال أصحاب الأفكار الأصيلة يموتون بأجسادهم, أما الأفكار التي عملوا لها في حياتهم وأخلصوا في سبيلها, وتجردوا للتمكين لها, فإنّها تستمر وتنمو وتزدهر وتبلغ الآفاق.
لقد رحل رمز النضال السلمي وكان مدركاً - رحمه الله - أن الحريات ليست هبات مجانية، ولا تتحقق بالخطب الرنانة ولا بالجمل المنمقة، والمقالات في هجاء المستبدين، ولكنها تتحقق بالرجولة والتضحيات والشجاعة في مقابلة الأهوال والمصاعب، رحل بعد أن رسم الطريق لجيل يحمل شرارة الرفض، جيل قادر على التحدي والمواجه، جيل يحسن اقتطاف الثمرة عبر نضاله السلمي حتى وان بانت المراحل بعيده.
إنّ هذا الصنف من العظماء كلما باعدت الأيام بيننا وبين يوم انتقالهم إلى دار البقاء إلا زاد تأثيرهم, وتواصل إشعاعهم, وظهرت جوانب أخرى مضيئة من حميد خصالهم, خلص إلى ذلك المرشد عمر التلمساني وهو يتحدث عن الإمام الشهيد حسن البنا بقوله: (حسن البنا كلما باعدت الأيام بيننا وبين يوم استشهاده ازدادت شخصيته وضوحا وإشراقا ونورا وبهاء .. إنّه كاللوحة الفنية البديعة, كلما ابتعدت عنها محملقا في روعتها, كلّما وضح أمام ناظريك رواؤها ودقّة الإبداع فيها).
إن من حق ركب النضال السلمي أن يعرف قدر الفقيد, وأن لا ينسى فظله, ولا يتوانا عن مواصلة النهج الذي رشح له, إننا نجد أنفسنا نردد نفس ما قاله طه حسين عندما رثا العقاد: (أمثالك تموت أجسامهم لأن الموت حق على الأحياء جميعا, ولكن ذكرهم لا يموت لأنّهم فرضوا أنفسهم على الزمان وعلى الناس فرضا, وسيوارى شخصك الكريم في أطباق الثرى, ولكن القبر الذي سيحتوي شخصك لن يستأثر بك, فلك في قلوب الذين يحبونك والذين ينتفعون بأدبك وعلمك ذكر لن يموت, ولكنّهم لن يستأثروا بذكرك, وإنّما ستشاركهم فيه الأجيال التي تبقى بقاء الدهر). نعم يجب أن نبقا نترحم على الفقيد ما بقينا فهذا الإمام أبو محمد التيمي رحمه الله يقول:(يقبح بكم أن تستفيدوا منّا ثم تذكرونا ولا تترحّموا علينا).
فمن حقّه علينا ذكر محاسنه, وتعداد فضائله, وجلائل أعماله,لأن ذلك من شيم الأوفياء, فلابد ونحن نسير على طريق معبّدة أن نذكر فضل من تعب في تعبيدها, فنسيان الفضل والحقوق ينشئ العقوق كما أشار العلامة أبن باديس: (إنّما تقاس درجة الأمم بما تنجبه من الرجال, وإنما تكون منجبة للرجال يوم تصير تعرف أقدار العاملين من أبنائها).
لقد انطفأت شعله من شعل النضال السلمي التي ظلت ترسل أشعتها نوراً وناراً: نوراً لطالبي الهداية، وناراً على الفساد والاستبداد.
كان شملان رحمه الله يتحلى بصفات العظماء الكبار، وبمواهب العباقرة الأفذاذ، لقد كان مثالاً، للحب لا للحقد، والتغيير لا الجمود، والعفو لا العقوبة، والخبرة بالأمور لا البلاهة، والنظر الثاقب لا الرؤية الساذجة، والبصيرة المتقدة لا الجبلة العمياء، والدربة والحنكة الفطرية، والنورانية القلبية التي تضيء بتوفيق الله، كان للحق سنداً لا بتضعضع، وصخرة لا تتزحزح، وكان للمشترك ركناً ركيناً، وإماماً عظيماً ، يظهر للأضواء وقت المحن والشدائد ويختفي وقت توزيع العطايا والأوسمة كان رجل اكبر بكثير من المناصب التي تقلدها ولم تكن في يوم من الأيام المناصب اكبر منه كان يمثل نموذج ورمز للدولة المتحضرة حتى وان عاش في دولة متخلفة، نعم فالشخصيات العامة قد ترحل لكنها تبقى حية في مشاريعها التغييرية وسياساتها وأفكارها نسال الله كما جعله في ركب العظماء والصالحين في الدنيا أن يجعله كذلك في الآخرة .
 نقلاعن الصحوة نت
  

في الإثنين 04 يناير-كانون الثاني 2010 06:06:56 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://www.albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.albaath-as-party.org/articles.php?id=81