الساحرة المستديرة بين مصر والجزائر
أحمد دحبورليست قليلة هي الأحداث التي تمر وتعصف حيناً، بالوقت العربي، فهل نجد وقتاً في غمرة ازدحام المناسبات، للوقوف عند الدراما الكروية كما ظهرت، بصورتها الفظة الخشنة، في مصر والجزائر، قبل المباراة التي وصفت بالمصيرية، وتمادى بعض المراقبين فأطلقوا عليها اسم مباراة الكراهية؟!.
أجل، هناك وقت وضرورة لإثارة هذا السؤال مادامت القضية قد تجاوزت الاثنين والعشرين لاعباً لتشغل ثلاثمئة مليون مواطن، ولتعيد طرح السؤال علينا، للتأكد هل أننا وفرنا الحد الأدنى من أي حد أدنى لثقافة الرياضة؟.
وأعترف بأنني منذ نعومة أظفاري، كنت أتساءل عما يعنيه المعلقون بعبارة: «الأخلاق الرياضية»، فمنذ أن خرجنا إلى العراء لنشاهد المتنافسين على الكرة، كنا نتوتر من ردود الأفعال على هذه اللعبة التي باتت توصف بأنها اللعبة الأكثر شعبية في تاريخ العالم.
ولا يمكن أن نكون، نحن العرب، مختلفين عن بقية البشر من حيث الاهتمام بهذه الساحرة المكورة، والقصص لا تنتهي عن حوادث الشغب التي أعقبت هذه المباراة أو تلك في غير مكان من العالم، بما فيها حوادث القتل المروعة.
ومع أننا لم نصل إلى الدرجة المأساوية التي تشارف القتل، إلا أن من حق المعلقين أن يستنكروا ما جرى في مصر والجزائر، وما يمكن أن يجري في غير بلد عربي أمام مناسبات كروية ساخنة، فنحن لا نختلف عن الآخرين، إن لم نكن أقل منهم شططاً في الهياج الكروي، ومع ذلك فإن ما حدث ويحدث في البلدان العربية من شحن واستنفار وهياج وتوليد عداوات يظل حالة خاصة مفزعة.
وقد يتداعى علماء النفس والاجتماع والرياضة ليعلقوا ما شاء لهم التعليق، لكن المشكلة تظل مثارة على أشدها، وذلك -في ظني- عائد إلى سببين:
الأول: كما أشرت سابقاً، هو نقص معيب في ثقافتنا الرياضية، إذ يستبدل خيالنا المحموم قوانين اللعبة بما يوازيها من أسئلة المجتمع وطنياً واجتماعياً.
والثاني: هو هذا الالتباس القاتل في فهمنا المغلوط لظاهرة الأمة-الدولة، فمما لا شك فيه أن تطور قوانين المدنية قد أوصل إلى حقيقة أن الدولة هي تتويج لنضال الأمة في تحقيق ذاتها، لكننا، في الحالة العربية، لا نزال نعاني من تركة التقسيم الكولونيالي الذي نجح في تشطير أقطارنا العربية، حتى تراءى للعين الواهمة أن هذا الشطر أو ذاك من الوطن العربي، هو بديل لمفهوم الأمة، بل إن بعض الدول العربية باتت تسمي مجلسها النيابي باسم مجلس الأمة، وليست المأساة شكلية، بل إن التعامل مع الشطر المحدود على أنه يقوم مقام الأمة قد أصبح في بعض الحالات، مع الأسف والأسى، حقيقة واقعة، وإلا فما معنى هذا التشنج الهستيري في ساحات الملاعب وكأنه اختزال لمسيرة الأمة وتاريخها؟.. ومع ذلك فإن هذا الهياج الكروي يكشف، تحت الطبقات الخفيفة للوعي، أن هناك رابطاً بين أواصر هذه الأمة، رابطاً كان يمكن أن يكون مدعاة للفخر لو أنه لم يأت في سياق التعصب، فما زلت أذكر أن شاباً فلسطينياً قد أقدم على شنق نفسه إثر هزيمة المنتخب المصري في إحدى نهائيات كأس العالم، وإذ كنا نقدر لهذا الشاب حماسته العربية، فإننا نتفجع ونستهجن وعيه الفقير للثقافة الرياضية، فخسارة جولة في مباراة لا يمكن أن تعني هزيمة الأمة.
والسؤال نفسه مطروح علينا، وعلى كل فرد من الملايين المصرية والجزائرية التي أبدت هذا القدر من الانفعال إزاء مباراة تتحكم بمصيرها اثنتان وعشرون قدماً، ولا أوهام لدينا، فالفوز غال وثمين، كما أنه يشتمل على معان رمزية تتصل بالوطنية حسب معناها الواسع، لكن المطلوب وضع هذا الفوز في مكانه من حيث إنه نتيجة جهد وثقافة وتشجيع، وليس بوصفه علامة انتصار على الشقيق الذي كان سيشاركك الحماسة لو أن الفريق المنافس هو غير فريقه الوطني.
لا أريد أن أزج الرياضة في القنوات الضيقة للسياسة، ولكن إذا أجازت القوانين الرياضية لهذا الفريق أن يستعير لاعباً غريباً، أفلا نتوسع في استضافة لاعبين عرب من جنسيات عربية مختلفة لبناء فريق قومي ينطلق باسم المجموعة.
ولا غنى بالطبع عن الفريق الوطني لكل شعب، لكن ماذا عن الوعي المطلوب لاستيعاب أن العربي عربي وليس خصماً نتهجم عليه حتى قبل بدء المباراة معه؟!.

في الأربعاء 23 ديسمبر-كانون الأول 2009 07:52:31 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://www.albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.albaath-as-party.org/articles.php?id=77