كي لا يذهب اليمن الى المجهول
د. منير درويش

الحوار من أجل اليمن

 

تستحق المبادرة التي أطلقها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يوم 22 / 5 / 2010 بمناسبة الذكرى العشرين لقيام الوحدة بين شطري اليمن، اهتمام التوقف عندها. فقد دعا الرئيس اليمني ( إلى فتح حوار وطني مع جميع القوى السياسية في البلاد تؤدي لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وفي مقدمها، الحزب الاشتراكي الشريك الأساسي في صنع الوحدة ) وهو الحزب الذي يملك نفوذا ًداخل الجنوب اليمني. الخ.ع مع الأحزاب الأخرى كحزب البعث، والحركة الناصرية..الخ .

هذه المبادرة وبغض النظر عن الأهداف التي دفعت بالسلطة لطرحها، فقد وضعت المعارضة اليمنية في موقع المسؤولية الوطنية وعلى المحك السياسي اليمني المضطرب.

 قد يكون هناك أسباب عدة دفعت بالسلطة اليمنية لإطلاق هذه المبادرة في هذا الوقت شأنها شأن الأنظمة العربية الأخرى وأنظمة الدول المتخلفة. إما بسبب أزمتها الداخلية ومحاولة الهروب منها، أو لتبرئة نفسها عما جرى ويجري في اليمن، وإلقاء تبعية ذلك على ( القوى الغير متعاونة ).. أو لإحراج المعارضة وعزلها وإبعادها أو إضعافها بعد أن صعدت من مطالبها الإصلاحية.

وإذا كان الحوار هو الوسيلة الحضارية للتفاهم إلا أن نتائجه أيضاً تخضع لميزان القوى بين الأطراف المتحاورة، والطرف الأقوى هو الذي يحصل على الكعكة الأكبر، وكما يبين الواقع، فإن ميزان القوى بين السلطة والمعارضة، متفاوت جداً لصالح السلطة بما تملكه من عناصر القوة من خلال سيطرتها على الجيش والأمن، والمال من خزينة البلد. وفي أوضاع اليمن فإن القبائل تشكل القوة الاجتماعية والسياسية، وتنضوي تحت لوائها فئات عريضة من أبناء الشعب، والسلطة بما تملكه من عناصر القوة قادرة إلى حد كبير على فرض هيمنتها على الوضع الاجتماعي أيضاً من خلال استمالة زعماء القبائل بتوفير مكان لهم في مؤسسات السلطة والوظائف الحكومية ومدهم بالمال والسلاح.

إن ما يميز اليمن كواحد من البلدان المتخلفة عن الحالة السياسية في البلدان المتقدمة التي شهدت انتفاضات شعبية أدت لنغيير السلطة أو منهجها كما حصل في أوكرانيا مثلاً، هو أن الجيش وقوى الأمن في مثل هذه البلدان تقف إلى حد ما على الحياد، ولا تتدخل في الصراعات الدائرة بين السياسيين على السلطة إلا عندما يتعرض الأمن الخارجي للدولة للخطر، طالما أن تبديل السلطة أو لنقل الحكومة يتم من خلال  صناديق الاقتراع مهما شاب هذه الصناديق من تلاعب أو تجاوز نسبي. كما أن الفئات التي تتدخل بالسياسة في البلدان المتقدمة تشكل شريحة واسعة من السكان وإن اختلفت المطالب، على غير ما يجري في البلدان المتخلفة حيث أن الفئات الفاعلة لا تزيد عن مجموعات متميزة استطاعت أن تتخلص من التأثيرات الطائفية أو القبلية ولكن فعاليتها محدودة بالعموم. و إذا كانت المطالب في البلدان المتقدمة تنصب بالدرجة الأولى على القضايا السياسية و الشؤون الحياتية وتحسين مستوى المعيشة، فإنها في بلدان كاليمن تنصب على تأمين المطالب القبلية والطائفية والأسرية، إلى جانب بعض المطالب المتعلقة بتأمين العمل وتحسين شروطه، وهو ما تلجأ إليه السلطة أية سلطة حيث تسيطر على مناحي الحياة المختلفة للشعب وتحتكر العمل ووسائل المعيشة و يمكنها أن تستثمر هذه المطالب في كسب ود أعداد كبيرة من المحتاجين لها وخاصة إذا تعلق الأمر بزعماء العشائر والقبائل الذين يمكن استمالتهم وسهولة إغراءهم ولا تغفل أحياناً بعض  المعارضين وقادتهم.

في بلد كاليمن ليس من الضروري أن تكون السلطة ضعيفة حتى تلجأ للحوار مع المعارضة كما يعتقد بعض أطرافها، بل ربما كان الهدف هو إحراج المعارضة نفسها ووضعها أمام مسؤوليات تعجز بوضعها الراهن من تحقيقها. وتظهر ضعفها وعدم قدرتها على إدارة حوار متوازن أو كسب مواقع في هذا الحوار، فالنظام اليمني شأنه شأن الأنظمة الأخرى لا يستمد قوته من الداخل بالتأييد الشعبي، ولكنه غالباً ما يستمد هذه القوة وكما ذكرنا من العناصر والأدوات التي يمتلكها من جهة، واعتماده أو ارتهانه للقوى العالمية والإقليمية من جهة أخرى، من خلال تأمين مصالح هذه القوى وتحقيق مآربها كي يحقق مأربه الخاص باستمراره وحفاظه على السلطة.

ورغم ذلك فإن المعارضة اليمنية ومن منطلق حرصها على مصلحة الوطن ووحدته، وسيادته واستقلالية قراره الوطني، وإذا كانت جادة في مطالبها، فهي لا تستطيع أن تتهرب من هذه المبادرة عندما توحد قواها وتتجاوز خلافاتها وتطرح برنامجها السياسي والمطلبي على أن يتضمن بوضوح قضايا أساسية تتعلق بالمحافظة على وحدة شطري اليمن وسيادته واستقلالية قراره السياسي، وتعزيز مطلب تحقيق الديمقراطية الحقيقية، وإضافة المطالب العامة المتعلقة بحكومة وحدة وطنية تضع في أولوياتها، مكافحة الفساد والنهب والهدر واستغلال النفوذ، والتصرف اللامسؤول بالأموال العامة، وتحسين ظروف المعيشة للمواطنين دون أي تمييز بينهم وبالتالي فإن الحوار يجب أن يتم مع السلطة مباشرة وليس مع حزب المؤتمر الذي يمثلها حتى لو كان طرفاً في هذا الحوار، نظراً لأن تأثيره لا يختلف عن تأثير باقي أحزاب المعارضة.

إن أولى بوادر الحوار يجب أن تأتي من إقدام السلطة اليمنية بتهيئة الأجواء السياسية، بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي، وليس بالعفو عنهم كما حصل مؤخراً ( فهم ليسوا مذنبين يستحقون العفو ) وتجب إعادتهم إلى أعمالهم ووظائفهم ودفع تعويضات مناسبة لهم عن فترة اعتقالهم. والسماح بعودة الملاحقين الذين أجبرتهم ممارسات السلطة إلى الهجرة أو الملاحقة بسبب آراءهم أو مواقفهم السياسية. وإفساح المجال أمام الأحزاب السياسية وقوى المعارضة أن تعمل بحرية تامة وعلناً لطرح برنامجها السياسي. وعلى السلطة أيضاً أن تطرح برنامجا للحوار مبينة الأهداف الحقيقية لها، وتأمين الالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه حتى لا يبقى مجرد حوار للطرشان ومضيعة للوقت.

وعلى ذلك يمكن تشكيل لجنة تضم في عضويتها ممثلين عن المراكز الأساسية في السلطة وقوى المعارضة بطيفها الواسع سواء من ممثليها داخل مجلس الشعب أو من تختارهم إضافة لعناصر فاعلة من المعارضة في الخارج، بينهم الرئيس علي ناصر محمد ورؤساء وزراء سابقين ووزراء وعناصر سياسية وثقافية أخرى. وإن الحكومة التي يمكن أن تنبثق عن هذا الحوار هي حكومة لها مهام سياسية تتحكم بالقرارات السياسية المتعلقة بجميع أوضاع اليمن وليس حكومة تصريف أعمال وإدارة مؤسسات الحكم.

وفي كل الأحوال فإن المبادرة ألقت الكرة في ملعب المعارضة وليس من المصلحة التهرب منها أو تجاهلها وعليها أن تعيد الكرة لوسط الملعب متحدة وعازمة على الفوز.

إن أوضاع اليمن والمخاطر التي يواجهها تدفع بنا نحن العرب بمختلف الاتجاهات لبذل كل الجهود وإبداء الرأي والوقوف إلى جانب أبناء شعبنا في اليمن ومعارضته الوطنية هناك من أجل يمن متحرر وموحد يحفظ لشعبه عزته وكرامته.

 
m.w.noaman@mail.sy


في الخميس 10 يونيو-حزيران 2010 07:15:00 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://www.albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.albaath-as-party.org/articles.php?id=137