هل بدأت جدران إسرائيل بالتشقق؟
رسلان حلبيأعلن عدد من أساتذة الجامعات الإسرائيلية انضمامهم لحركة «BDS» العالمية التي تدعو لفرض عقوبات على إسرائيل، وتحث الشركات العالمية بالتوقف عن الاستثمار فيها. وقبل الاستطراد لابد من إلقاء الأضواء على هذه الحركة التي تم إطلاقها في تموز من عام 2005 في الذكرى السنوية الأولى لقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بإدانة الجدار الاحتلالي العنصري، إذ وقّع ما يزيد عن ( 170 ) اتحاداً ومنظمة فلسطينية نداء تاريخياً يدعو إلى مقاومة مدنية عالمية ضد إسرائيل عن طريق مقاطعتها وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وهو ما اصطلح عليه اختصاراً بالأحرف الانكليزية «BDS» حتى تنصاع للقانون الدولي والمبادىء الأساسية لحقوق الإنسان، ويتجسد ذلك بإنهاء الاحتلال بشكل فوري وشامل، وإنهاء سياسة التمييز العنصري تجاه فلسطينيي عام 1948، والاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة.
وفي السنوات الأخيرة حققت هذه الحركة بعض النجاحات، حيث انضمت أكبر نقابتي عمال ببريطانيا للمقاطعة، وكذلك اتحاد الصحافيين البريطانيين، واتحاد نقابات العمال في جنوب أفريقيا، ونقابات من كندا وايرلندا واسكتلندا وغيرها، كما أيد مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس جنوب أفريقيا وكنيسة انكلترا سحب الاستثمارات من الشركات الداعمة للاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، وقد اتخذت المقاطعة أشكالاً أخرى أكاديمية وثقافية، فقد اتخذ اتحاد الجامعات والكليات، وهو أكبر نقابة أساتذة جامعات في بريطانيا، قرارات تدعم مسيرة المقاطعة الأكاديمية التدريجية لإسرائيل، كما انضمت أكبر نقابتي عمال في بريطانيا واتحاد الصحافيين البريطانيين إلى المقاطعة.. وعلى الصعيد الثقافي انضم عشرات الكتّاب والفنانين والمثقفين المرموقين إلى المقاطعة الثقافية لإسرائيل، وقد نجحت حملات هؤلاء في الحد من مشاركة الكثير من الفنانين والكتّاب العالميين في احتفالات الكيان الغاصب، وبالتأكيد فقد اكتسبت حركة المقاطعة، متعددة الأوجه، زخماً قوياً بعد العدوان الصهيوني الهمجي على غزة، واتضاح حقيقة أهداف إسرائيل من هذا العدوان، من خلال الصور التي نشرتها وسائل الإعلام العالمية، والتي عززت فكرة أن هذه الحرب كانت تهدف في الحقيقة إلى «سحق شعب والقضاء عليه»، كما كتب «ويلي جاكسون» في اللوموند ديبلوماتيك، مضيفاً أنه «مذاك شعرت جمعيات التضامن مع فلسطين، والعديد من المنظمات الأخرى عبر العالم، أنه من واجبها الأخلاقي التحرك والتعويض عن تقاعس «المجتمع الدولي»، وهكذا تشكلت حركة مدنية واسعة حول القضية الفلسطينية، تستخدم سلاح المقاطعة الذي ساهم فيما مضى بالقضاء على التمييز العنصري في جنوب أفريقيا»، ورغم العقبات التي تضعها الحكومات الأوروبية وغيرها أمام مؤسسات المجتمع المدني الأوروبية المؤيدة لمقاطعة إسرائيل في جميع النواحي، وإحالة قادتها العسكريين والسياسيين إلى المحاكم كمجرمي حرب، فإنه لابد من التفاؤل بحركة المقاطعة العالمية هذه في كشف الوجه الحقيقي لإسرائيل ككيان عنصري همجي عدواني، وحقيقة أهداف من ساعد على قيامها ويواصل دعمها، بالإضافة إلى تذكير الرأي العام بمعاناة الشعب الفلسطيني، وبالتالي تأييد حقه في المقاومة بكل أشكالها لاستعادة حقوقه المغتصبة.
وفيما يبدو أن حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني واتساعها وشمولها وامتدادها عبر العالم، وجدت صدى لها في إسرائيل، ولو في أضيق الحدود، (وهو أمر طبيعي بسبب نشأة إسرائيل الشاذة على أنقاض شعب آخر)، عبر أفراد لا تأثير لهم في القرار السياسي الإسرائيلي، وإن كانوا يجمّلون الوجه البشع للديمقراطية والكيان الإسرائيلي، من حيث يريدون أو لا، ومن هؤلاء عدد من أساتذة الجامعات الإسرائيليين الذين أعلنوا انضمامهم لحركة «BDS» آنفة الذكر، وقد بيّن البروفسور «أودي ألوني»، أحد هؤلاء، الأسباب التي دعته وزملاءه للانضمام لهذه الحركة في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» على موقعها على شبكة الأنترنت.
وأول ما يلاحظه «ألوني» هو اتساع أنشطة حركة المقاطعة لإسرائيل، وانضمام المزيد من النشطاء السياسيين من وسط الخارطة الحزبية الأوروبية، بالإضافة إلى انضمام أعداد من اليهود الأمريكيين الذين يعتبرون من أوثق المخلصين لإسرائيل.
 ويعترف أخيراً أن «أي لوبي يميني أو مسيحي صهيوني لن ينجح في وقف عجلة الحركة الجماهيرية العالمية التي تخطط لوضع حد لهذا الصراع وجلب السلام بناء على مبادىء القانون الدولي»، وبالتأكيد لا يمكننا رفض انضمام هؤلاء الإسرائيليين لحركة المقاطعة، بل يمكن توظيف مواقفهم، وطبعاً بحدود، لما فيه خير الشعب الفلسطيني ونضاله العادل من أجل استعادة حقوقه، ولكن دون التعويل عليهم، حيث لا يشكلون نسبة تذكر بين المستوطنين الصهاينة الذين يميلون لمزيد من التطرف كلما شعروا بتهديد وجودهم على إيقاع ازدياد عدوانية مؤسستهم الحاكمة.. ثم لماذا لا نرى في موقف الأساتذة الجامعيين الإسرائيليين هؤلاء استجابة مختلفة للشعور بالتهديد الذي يحيط بكيانهم في حال استمر بعنجهيته وصلفه ورفضه الانصياع للقانون الدولي؟!. وبالتأكيد فإن مواقف هؤلاء الأساتذة الإسرائيليين لا تدعونا للقول بأن جدران الكيان الإسرائيلي الداخلية بدأت بالتشقق، فهؤلاء فضلاً عن أنهم هامشيون في الداخل الإسرائيلي، ولا تأثير لهم في قرار المؤسسة الحاكمة، سرعان ما يتلاشون، كما تلاشى غيرهم من قبل، عند أول ضغط يمارس عليهم، أو عندما يطالبون بترجمة أقوالهم إلى أفعال، وفي النهاية هذه هي حدودهم ولن يستطيعوا تجاوزها، وإلا فإنهم يصبحون بين خيارين: إما أن ينتحروا تكفيراً لآثامهم بحقنا، أو أن يرحلوا إلى بلدانهم الأصلية، أما لو نظرنا إلى إسرائيل من الخارج فشقوق جدرانها آخذة في الازدياد لا بفضل حركات التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني فحسب، بل أيضاً، وأساساً، بفضل صمود الفلسطينيين وتشبثهم بمقاومتهم المشروعة وبحقوقهم الثابتة، رغم كل أشكال التآمر و«ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة».
في السبت 20 مارس - آذار 2010 05:44:29 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://www.albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.albaath-as-party.org/articles.php?id=114