التاريخ : الأحد 09 مايو 2021 : 01:50 صباحاً
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed كتابات وأراء
RSS Feed د. بادي شلغين
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
القدس ومخططات تهويدها
بقلم/ د. بادي شلغين
نشر منذ: 11 سنة و 3 أشهر و 10 أيام
الثلاثاء 26 يناير-كانون الثاني 2010 06:58 م

تشير معظم الدراسات إلى أن نشأة القدس إنما تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وكانت أولى المجموعات البشرية التي تزامن وجودها في القدس مع هذا التاريخ، هي القبائل الكنعانية القادمة من الجزيرة العربية، وفي الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد أصبحت القدس ذات مكانة وسيادة، حتى إن الآثار المصرية القديمة تذكرها باسمها وهو (أورسالم) نسبة إلى مؤسسها الأول القائد العربي الكنعاني(سالم)، وإذا كانت هذه التسمية قد تحولت في مرحلة لاحقة إلى (أورشاليم)، فلأن حرف (السين) يقلب إلى (شين) باللغتين العبرية والسريانية، إلا أن هذا التحريف الذي تم في مرحلة تاريخية عابرة لا يتعدى حدود الشكل، ولا يعني في جميع الأحوال تغيير الحقائق الملموسة المتعلقة بتاريخ القدس، حيث عثر في (تل العمارنة) على ستة خطابات مرسلة من حاكم مدينة القدس الكنعاني العربي (عيدي خيبيا) إلى فرعون مصر (أخناتون ابن آمون)، أما اسم القدس الشائع اليوم فهو اختصار لاسم (بيت المقدس) أو (مدينة القدس)، وكثيراً ما يقال (القدس الشريف) لتأكيد قدسية المدينة بالنسبة للعرب والمسلمين، والجدير بالذكر أن جميع الحفريات وعمليات التنقيب التي جرت من قبل الإسرائيليين أخفقت في العثور على أية آثار من شأنها إضفاء الشرعية على احتلالها أو تبرير توطين اليهود فيها، ومن ثم تهويدها، يضاف إلى ذلك أن إسرائيل فشلت في إيجاد أي أثر يدل على وجود الهيكل المزعوم أو ما يسمى (بهيكل سليمان) الذي يعتبره الإسرائيليون الدليل المادي على أحقيتهم بالمدينة المقدسة.
أما فيما يتعلق بالوضع الجغرافي والإداري لمدينة القدس، فإن مساحتها تقدر بـ (125كم2) تقريباً، وتحيط بها عدة جبال (جبل الزيتون، جبل المشارف، جبل المكبر، جبل أبو غنيم، جبل النبي صموئيل)، ويوجد حولها أيضاً عدد من الوديان: (وادي سلوان، وادي الجوز، وادي نبع أم الدرج)، أما التغييرات في الحدود الإدارية لمدينة القدس فهي مرتبطة بظروف تاريخية وسياسية معينة، وكان آخر تغيير على هذه الحدود في حزيران /يونيو/ 1967 بموجب قرار أصدرته الحكومة الإسرائيلية بعد احتلالها للضفة الغربية آنذاك، ويقضي بضم 70.4كم2 إلى منطقة بلدية القدس الإسرائيلية، وفرض القانون الإسرائيلي عليها، أما القرى التي بقيت خارج الحدود الإدارية للقدس، فقد كان سكانها يخضعون لسيطرة الحكم الإسرائيلي العسكري، أو للسيطرة الفلسطينية، وأما المعالم الأثرية الدينية فتشمل: المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، وكنيسة القيامة، وحائط البراق، وحارة المغاربة.
من جانب آخر فإن إسرائيل لم تكتف باحتلالها للقدس، بل عملت أيضاً على تهويدها تدريجياً من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات وفي مقدمتها زيادة عدد السكان اليهود في الجزء الشرقي من مدينة القدس، وبناء أحياء يهودية ووحدات سكنية جديدة بين الأحياء والقرى العربية الموجودة داخل حدود بلدية القدس الكبرى، وتشجيع الإسرائيليين ليستقروا فيها، كذلك لجأت إلى الحد من التوسع العمراني للأحياء العربية عن طريق تحديد المناطق التي يمكن للفلسطينيين البناء فيها، وفرز مساحات واسعة لتكون مناطق خضراء يمنع البناء فيها، إضافة لتقنين منح رخص البناء والترميم للفلسطينيين، وهدم البيوت التي تقام دون الحصول على الرخص المطلوبة من السلطات الإسرائيلية.
من جهة أخرى فقد قام الإسرائيليون بالحفر في أسفل المسجد الأقصى بحجة البحث عن هيكل سليمان المفقود، علماً بأن الدافع الحقيقي هو محو أي أثر عربي فيها، إلا أن إسرائيل عندما عجزت عن تغيير الواقع التاريخي، بدأت بالعمل على تغيير الواقع الديمغرافي في القدس، لا سيما وأن عدد الفلسطينيين المقدسيين كان يزيد عن /200/ ألف فلسطيني ومعظمهم يرفض الحصول على الجنسية الإسرائيلية، لذلك كانت خطة وزارة الإسكان الإسرائيلية تقضي بزيادة الوجود اليهودي لا في البلدة القديمة فقط، بل وفي المنطقة الشرقية منها والتي تشمل (رأس العامود)، و(أبو ديس)، إضافة لبناء المستوطنات حول القدس وأبرزها مستوطنة (جبل أبو غنيم) وذلك بهدف إحداث التغيير الديمغرافي المنشود.
كما تتحدث خطة وزارة الإسكان الإسرائيلية منذ عام 2003 وحتى الآن عن ضرورة إحباط أي مشروع لتقسيم القدس وإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية فيها، وثمة دراسة إسرائيلية تم إعدادها بعد انعقاد المؤتمر الدولي في (أنابوليس) في تشرين الثاني /نوفمبر/ 2007، وتناقش الدراسة مستقبل مدينة القدس، وقد تضمنت عدة محاور تدور حول حق اليهود في القدس، ونفي المطالب الفلسطينية فيها، كما أوردت إحصائيات ومؤشرات ديمغرافية، وتحدثت عن مستقبل الأماكن المقدسة والبعد القانوني للتقسيم ؟.
وتهاجم الدراسة أيضاً دعاة التقسيم وتطالب بإعادة النظر بالتوازن الديمغرافي، والعمل على تعديله لصالح المستوطنين اليهود، وهذا التعديل طبقاً لتوجهات معدي الدراسة لا يمكن أن يتحقق إلا باجتثاث التجمعات العربية داخل حدود القدس، ووضع حد لهجرة اليهود المعاكسة إلى خارج القدس، ومحاولة وقفها بصورة نهائية مستقبلا. وتشير الدراسة إلى أن العنصر الأساسي الذي يؤثر على تراجع نسبة السكان اليهود في المدينة المقدسة لا يرتبط بزيادة معدل المواليد في أوساط الفلسطينيين فحسب، بل في ارتفاع نسبة الهجرة اليهودية منها أيضاً، فالإحصائيات تشير إلى أن المعدل السنوي لهجرة اليهود من القدس تصل إلى /16/ ألف يهودي، وخلال العشرين سنة الماضية غادر القدس أكثر من 300 ألف يهودي، وتعزى أسباب هذه الهجرة لصعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة لليهود، والارتفاع الباهظ لأجور الشقق السكنية.
ومن الجدير بالذكر أن مخططات تهويد القدس استرعت انتباه القنصليات الأوروبية في القدس الشرقية، حيث أولت هذا الأمر اهتماماً جدياً في تقريرها السنوي الذي صدر بتاريخ 23/تشرين الثاني/نوفمبر/2009، والذي لا ينشر عادة بحسب ما أشارت إليه صحيفة (لوموند) الفرنسية، حيث عرضت بعض المعلومات الهامة التي تضمنها التقرير آنف الذكر، والذي يؤكد بأن إسرائيل قد واصلت خلال العام الحالي ضمها غير الشرعي للقدس الشرقية عن طريق إضعاف وجود الفلسطينيين فيها، والحد من نموهم الطبيعي، وفصل القدس عن الضفة الغربية، ويضيف التقرير بأن الاستراتيجية الإسرائيلية الجاري تطبيقها بوتائر سريعة من قبل حكومة نتنياهو الحالية إنما تستهدف إضعاف إمكانية قيام عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية، كما أنها تتبع سياسة متعمدة هدفها جعل (حل الدولتين) أمراً مستحيلاً، كذلك يشير التقرير إلى أن أكثر من 30٪ من السكان الفلسطينيين في القدس قد انتزعت منهم أملاكهم بهدف ترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين من الناحية الديمغرافية، وقد استخدمت إسرائيل سياسة الاستيطان لتعزيز سيطرتها على القدس الشرقية، الأمر الذي من شأنه أن يلحق الضرر بنتائج المفاوضات حول الوضع النهائي للقدس الشرقية وإمكانية جعلها عاصمة لدولة فلسطين.
واقترح قناصل الدول الأوروبية في تقريرهم اتخاذ عدة إجراءات لتعزيز وجود السلطة الفلسطينية في القدس الشرقية، والضغط على إسرائيل لوقف إيذائها للسكان الفلسطينيين من خلال ما يلي:
- التأكد من تواجد الاتحاد الأوروبي في القضايا التي تنظر فيها المحاكم الإسرائيلية والمتعلقة بهدم المنازل أو طرد العائلات الفلسطينية من منازلها، أو عندما يكون ثمة خطر لاتخاذ مثل هذه الإجراءات.
-أن تجرى الاحتفالات والمناسبات وإحياء الأعياد الوطنية الفلسطينية في القدس الشرقية.
- أن تستضيف البعثات الأوروبية التي لها مكاتب أو أماكن سكن في القدس الشرقية مسؤولين فلسطينيين في حفلات أو مناسبات معينة.
- امتناع كبار المسؤولين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن اصطحاب طواقم أمن إسرائيلية عند زيارتهم للبلدة القديمة أو شرقي القدس.
- تجنب الاجتماع مع المسؤولين الإسرائيليين بمكاتبهم في القدس الشرقية.
- تبادل المعلومات حول العنف الذي يمارسه المستوطنون في القدس الشرقية لتقييم ما إذا كان المستوطنون الذين يرتكبون هذا العنف سيسمح لهم بالدخول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.
وإضافة إلى تقرير القنصليات الأوروبية، فقد تقدمت السويد التي ترأست دورة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي والتي عقدت مؤخراً في السابع من كانون الأول/2009 بمشروع قرار تعلن فيه صراحة بأن الدولة الفلسطينية المقبلة يجب أن تشمل الضفة الغربية وغزة والقدس.
وقد أثارت الصيغة السويدية نقاشات حادة في اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين، لذلك جاء النص المعدل في البيان الختامي للاجتماع غامضاً، ويعزى ذلك للضغط الذي مارسته حكومة نتنياهو على المجتمعين، والتهديد بحرمان الاتحاد الأوروبي من أي دور في عملية السلام، حيث ورد في البيان ما يلي: «لتحقيق سلام حقيقي لا بد من سبيل عبر التفاوض لتسوية وضع القدس كي تصبح عاصمة مستقبلية للدولتين».
وبالرغم من عدم وضوح الصيغة المتعلقة بالقدس تحديداً، فإن البيان لم يخل من نقاط إيجابية، حيث يدعو إسرائيل إلى الكف عن كل أشكال التمييز ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية، وانتقد سياسة الاستيطان، واعتبر بأن المستوطنات والجدار العازل قد أقيما على أراض محتلة، كما أن هدم المنازل وطرد السكان الفلسطينيين يشكل عقبة أمام السلام، ويجعل بالتالي حل الدولتين أمراً مستحيلاً.
وحث البيان الحكومة الإسرائيلية على أن تنهي فوراً جميع أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، كما طالب بتخفيف القيود التي تفرض على الفلسطينيين وإزالة نقاط التفتيش العسكرية التي تعيق تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، أما إسرائيل فقد أبدت تحفظها على البيان، وقالت بأنه لا يسهم في تشجيع السلام، ويتجاهل رفض الفلسطينيين استئناف مفاوضات السلام.
وفيما يخص موقف السلطة الفلسطينية فقد كان متبايناً، حيث اعتبرت السلطة الفلسطينية أن صيغة القرار كانت مبهمة ولا ترقى إلى مستوى المشروع السويدي الذي يدعو إلى اعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة، و وجه الأمين العام للرئاسة الفلسطينية الطيب عبد الرحيم نقداً شديداً لموقف وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير واعتبره مناقضاً لموقف الرئيس ساركوزي الذي أعلن مراراً بأن القدس الشرقية هي جزء من الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل، أما رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض، فقد اعتبر بأن قرار الاتحاد الأوروبي يعتبر انتصاراً للحق الفلسطيني، وأضاف بأن التباين قد أورد عدة مؤشرات بشأن القدس تتعلق بإدانة الاحتلال وعدم شرعية ضم القدس الشرقية، وأشار فياض إلى نقاط أخرى في القرار الأوروبي وصفها بأنها إيجابية لكونها تتحدث عن انطباق مفهوم حدود 1967 على القدس وعن ضرورة وقف الاستيطان وإعادة فتح مؤسسات القدس، والتنديد بالممارسات التمييزية ضد الفلسطينيين في القدس.
وعموماً يمكن القول إنه باستثناء موقف السويد الذي كان أكثر وضوحاً بشأن القدس والإطار العام لحدود الدولة الفلسطينية، فإن موقف الاتحاد الأوروبي بوجه عام لم يرق بعد إلى المستوى المطلوب والأكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية بوجه عام كونه لم يتعد حدود البيانات والتصريحات الدبلوماسية الخجولة التي تدعو إلى تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحسب دون القيام بأية خطوات جدية وعملية من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة وحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس، ومع ذلك فإن الأمر الأكثر أهمية إنما يعتمد على التحرك العربي والإسلامي النشيط والفاعل، وعلى كل الأصعدة الدولية بهدف نصرة قضية الشعب الفلسطيني والحيلولة دون تهويد القدس، لا باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية المقبلة فحسب، بل بوصفها أيضاً مدينة تخص العرب والمسلمين في كل مكان.
تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى كتابات وأراء
كتابات وأراء
عبد البارى عطوان
الانتفاضة آتية والمصالحة حتمية
عبد البارى عطوان
عادل عبد المغني
مؤتمر لندن. رهانات خاسرة
عادل عبد المغني
عبد البارى عطوان
جريمة 'الموساد' في دبي
عبد البارى عطوان
زيد الشامي
الخارج لا يحل مشكلات الداخل!!
زيد الشامي
رؤية نقدية لمشروع وثيقة الإنقاذ الوطني
توكل كرمان
الخروج من مأزق صعده..الحوار بديلاً
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2021 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.022 ثانية