يهودية الدولة العنصرية
د. عبد النبي اصطيف

رحم الله «لاءات الخرطوم»، قالها صاحبي وهو يحاورني في حالة الأمة. فأجبته إنّ الرحمة تُستمطر لروح الأحياء والأموات، فهل ماتت «لاءات الخرطوم؟» قال: بل ليس ثمة أي رجاء في إحيائها، والعرب اليوم يهرولون طائعين لكل ما تقترحه الإدارة الأمريكية من «تطبيع» مع العدو الصهيوني الذي اغتصب الأرض والعرض، والذي يعيث فساداً في مهد السيد المسيح عليه السلام ومسرى النبي محمد صلى الله وعليه وسلم .
قلت: ولعلك لا تنسى أكبر سجن في عالم القرن الحادي والعشرين، قطاع غزة، الذي يضم مليوناً ونصف المليون من عرب غزة هاشم الذين أبوا الإذعان والاستسلام للغاصب المحتل، والذين تداعت عليهم قوى الصهاينة والولايات المتحدة وحلفائها من دول «الاعتدال»، والغرب عامة مطالبة برؤوسهم خاضعة لإرادة الاحتلال أو مقطوفة على أطباق المهرولين إلى « السلام ».
قال: كانت إسرائيل تزعم أمام القاصي والداني أن العرب لايريدون السلام، وأنهم يريدون فقط «إلقاء اليهود في البحر»، وهم لا يقبلون حتى بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والحديث معها على ترتيباته .
قلت: ولكن ذلك كله بات جزءاً من الماضي، فالسلام بات خياراً استراتيجياً، حتى لدى دول المواجهة، والمفاوضات جرت، وتجري، على قدم وساق، وقد انتهت بمعاهدتين هما معاهدة كامب ديفيد، ووادي عربة، وباتفاق أوسلو. والمفاوضات غير المباشرة التي أجرتها سورية مؤخراً مع الكيان الصهيوني بوساطة تركية، لم تنته إلى أي اتفاق، نظراً لعدم جدية الشريك الإسرئيلي، الذي إنما يريد من المفاوضات الإفادة من الوقت، ليغير الوقائع على الأرض ويجعل من قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة أمراً مستحيلاً .
قال : والأدهى من ذلك كله أنّ العرب باتوا يقبلون من خلال ما دعي بـ «المبادرة العربية » بدولة فلسطينية تقام على 22٪ من فلسطين التاريخية، استناداً إلى مبدأ «الأرض مقابل السلام»، الذي لم تقبل به إسرائيل حتى اللحظة، بل إنها تُروّج لمبدأ آخر هو «السلام مقابل السلام»، أو «السلام مقابل الأمن ».
قلت: إنّه لمن العجيب حقاً أن يجنح العرب للسلم مع أن عدوّهم لم يجنح في يوم له، بل إن تاريخه في المنطقة لم يكن غير سلسلة حروب مدمّرة: حرب عام 1948، وحرب 1956، وحرب عام 1967، وحرب 1973، وحرب عام 1982 على لبنان وسورية، وحرب 2006 على لبنان، وحرب 2008-2009 على قطاع غزة، وأن يعترفوا بالكيان الصهيوني اعتراف أمر واقع، ويقيموا معه العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بل والثقافية، وأن يفكروا باستمرار بتقديم التنازلات تعبيراً عن نواياهم الطيبة تجاهه، دون أن يفضي ذلك كله إلى أي تنازل من جانب هذا العدو العنصري الذي سقطت آخر ورقة توت عن عنصريته، البادية لكل ذي عينين، عندما أعلن مؤخراً رئيس وزرائه عن شرطه اللازب لمعاودة المفاوضات مع أشقائنا الفلسطينيين أصحاب الأرض وهو اعترافهم بـ «يهودية الدولة الصهيونية ».
قال: بل هو شرط سَيُمليه الصهاينة، مدعومين ضمناً من الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، على العرب كلهم .
قلت: هل نحن واعون بعقابيل اعتراف كهذا؟
قال: لا أظن عاقلاً حراً مؤمناً بإنسانية الإنسان من العرب أو غيرهم لا يعرف عقابيل هذا الاعتراف .
قلت : وما هذه العقابيل كما تبدو لك؟
قال: أولها أن جميع ما ارتكبته العصابات الصهيونية في فلسطين، منذ بدأت نشاطاتها الإرهابية وحتى قيام دولة إسرائيل من جرائم، ولاسيما جرائم التطهير العرقي الذي وثّقها مؤخراً المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه في كتابه التطهير العرقي في فلسطين الذي صدرت ترجمته عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2007م، تصبح مسوغة أخلاقياً وسياسياً وقانونياً، لأنها كانت ضرورية لقيام دولة يهودية صهيونية خاصة باليهود دون غيرهم .
قلت: ومتى كانت الصهيونية معنية بإعطائها شهادات حسن سلوك أخلاقية أو سياسية أو قانونية؟ إنها كما ترى نفسها، وكما يراها أنصارها، فوق الأخلاق والقانون، وصك غفران ما تأتيه يداها جاهز ليُشهر في وجه كل مَنْ يُذكّرها بالقانون أو الأخلاق، وهو المحرقة التي باتت صناعة كبرى عملت الصهيونية على نشأتها ونموها وازدهارها، كما وثّق ذلك نورمان فنكلستين في كتابه «صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية» الذي صدرت طبعته الأولى عام 2000م، وصدرت طبعته المنقحة والموسعة عام 2003م .

 


في الجمعة 25 سبتمبر-أيلول 2009 07:25:54 م

تجد هذا المقال في حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
http://www.albaath-as-party.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.albaath-as-party.org/articles.php?id=43