التاريخ : الثلاثاء 13 إبريل-نيسان 2021 : 05:20 مساءً
د. يوسف جاد الحق
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed كتابات وأراء
RSS Feed د. يوسف جاد الحق
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
القدس .. وحكاية التآمر لسرقة وطن
بقلم/ د. يوسف جاد الحق
نشر منذ: 8 سنوات و 3 أشهر و 12 يوماً
السبت 29 ديسمبر-كانون الأول 2012 05:02 م

ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم من دعم لإسرائيل ولحروبها العدوانية استكمال لما فعلته بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور

تظل القدس رمزاً لهوية فلسطين العربية، الإسلامية والمسيحية، بما تعنيه من تاريخ وحضارة يمتدان إلى اللحظة التي فتح التاريخ عينيه، ولذلك فإنها تمثل، كما في كل الغزوات التي استهدفتها، جوهر المعركة مع الغزوة الصهيونية.
والقدس قد تكون أكثر مدن العالم وأقاليمه هدفاً للغزاة والفاتحين على مر الزمان ومدى التاريخ. وإن دلَّ هذا على شيء فإنما يدلُّ على عُلوِّ قدرها، وسموّ مكانتها، وفرادة موقعها، وبما حباها الله من قداسة.
حقبة الإسلام ـ التي جاءت بعد ظهور الناصري المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ـ أتاحت للقدس وأهلها استقراراً وطيداً، ومنحتهم حياة وادعة، وروحانية سامية، وإن تخللتها أحداث ومآس ألمت بأهلها، من حين لحين، كالحروب الصليبية (الفرنجة) التي امتدت ما يناهز المائتي عام، منذ نحو ألف من السنين. وهي اليوم تواجه الجائحة الصهيونية، وعلى مدى نيِّفٍ ومائة عام أو تزيد، فقد تمكن الجنرال "أدموند اللنبي" من احتلال مدينة القدس، إثر انسحاب الأتراك عنها في 9 ـ 12 ـ 1917، قائلاً بصفاقة: «اليوم انتهت الحروب الصليبية».
كان الاحتلال البريطاني مقدمة لكل ما حدث بعد ذلك، فبناء على مؤامرات بريطانية ـ يهودية كانت تجري في الخفاء، انتدبت بريطانيا على فلسطين، بقرار من عصبة الأمم في 24 تموز 1922 لكي تقوم بتنفيذ وعد بلفور، الصادر في 2 تشرين الثاني عام 1917. والذي أريد منه، إضافة إلى معاهدة سايكس ـ بيكو التي عقدت عام 1915، إحداث تغيير مسار معاكس لمنطق التاريخ في هذه المنطقة من العالم. والغريب أن بعض العرب مازالوا متمسكين بما رسمه سايكس وبيكو حتى بعد موتهما بما يقارب قرناً.
كان شغل بريطانيا الشاغل التمهيد لإنشاء "وطن مدعى" لليهود في فلسطين، ومن ثم فقد عمدت إلى تعيين أول مندوب سامٍ على فلسطين هو "السير هربرت صموئيل"، كأول يهودي ينوب عنها في حكم البلاد من 1920 ـ 1925، لوضع الأنظمة والقوانين لتهيئة فلسطين لتصبح كياناً يهودياً تحقيقاً لنبوءة "تيودور هرتسل" عام 1897 في مؤتمر بال بسويسرا. فقد منح صموئيل اليهود امتيازات خاصة، مكنتهم من:
- الاستيلاء على أراضي فلسطينية لإقامة مستعمرات عليها. وقدم لهم بعض من تلك الأراضي مجاناً، مما أسمته "أراضي الحكومة الأميرية.
- جلب أعداد كبيرة من المهاجرين، وفدوا إلى فلسطين، ومنحهم حقوق التملك والإقامة والاستيطان والعمل، وكانت (الوكالة اليهودية) ومؤسسة (كيرنكيرمت) المشرفتان على تنظيم ذلك كله مع الحكومة البريطانية المنتدبة.
- إنشاء مشاريع عمرانية ـ اقتصادية كبرى كمشروع "روتنبرغ" لتوليد الكهرباء من نهر الأردن.
أسفرت هذه التصرفات ـ وغيرها كثير ـ عن قيام المظاهرات التي عمت الأرض الفلسطينية، ثم تطورت إلى اضطرابات في ثورة عارمة على ما كان يجري، فوقع الكثير من أبناء فلسطين شهداء وجرحى، وكانت سلطات الاحتلال البريطانية تنحاز باستمرار إلى جانب الصهاينة، فتغض الطرف عن جرائمهم، وعن إقامتهم مصانع للسلاح والذخيرة، ومبانٍ للاستيطان هنا وهناك. وتقوم في الوقت عينه بالبطش بالعرب وتعمل فيهم قتلاً وتنكيلاً، حتى بلغ بها الأمر إصدار أحكام بالإعدام على الفلسطيني إذا ما عثر في حوزته على رصاصة فارغة.
وقد عرف فيما بعد أن صانعي صك الانتداب هم اللورد كرزون واثنان من مساعديه اليهود، وحاييم وايزمن رئيس الوكالة اليهودية يومذاك. وكان ممن تواطأ مع اليهود وقدم لهم العون والمساعدة، ونستون تشرشل الذي كان وزيراً "للمستعمرات، ثم رئيساً لوزراء بريطانيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
والغريب أن يمنح البريطانيون أنفسهم ـ وتقرهم على ذلك "عصبة الأمم" ـ حق بيع فلسطين، الوطن، والأرض، والشعب لغرباء عنها، قذفت بهم أوروبا إليها، تعويضاً لهم عما زعموا في حكاية "الهولوكست" وكأن العرب هم الذين صنعوا ذلك الهولوكوست.
تواصلت الثورة في عام 1929 فشملت سائر البلاد، لاسيما القدس ونابلس والخليل وحيفا ويافا وصفد. وكالعادة وقف الإنكليز إلى جانبهم. وقد قتل في هذه الثورة 133 يهودياً و91 عربياً من المسلمين والمسيحيين؛ أما الجرحى فكان عددهم 339 من اليهود و181 من العرب. ومن بين من أعدم يومئذ الشهداء الثلاثة: عطا أحمد الزير، ومحمد خليل جمجوم، وفؤاد حسن حجازي. الذين سجل شهادتهم في قصيدته الشهيرة إبراهيم طوقان "الثلاثاء الحمراء".
عمدت الحكومة البريطانية، من حين لآخر، إلى التمويه لكسب الوقت لصالح اليهود، وذلك عن طريق تشكيل لجان، تحت مسميات شتى مثل "لجنة البراق"، و"لجنة شو"، و"لجنة بيل". ثم "الكتاب الأبيض" عام 1930، و"اللجنة الملكية"، وما إليها.
أصدرت الحكومة البريطانية ما اسمته "الكتاب الأبيض" الذي أوضحت فيه واجباتها كدولة منتدبة ـ حسب رؤيتها هي بطبيعة الحال ـ وجاء في 12 مادة، حاولت فيه بريطانيا التظاهر بالحياد، فجاءت بعض مواده الخادعة وكأنها لمصلحة العرب، كالقول في المادة (4) إن للوكالة اليهودية حق النصح والمعونة، وليس لها حق الاشتراك في حكم البلاد. وقولهم في المادة (11) يتحتم على الدولة المنتدبة إما أن تخفض الهجرة، أو أن توقفها في الحالات الضرورية.!. ولم يعرف أحد ما هي الحالات الضرورية مثلاً..؟ كما إن حالة ضرورية واحدة لم تقع طوال زمن الانتداب..!
بيد أن الحكومة البريطانية لم تلبث أن تنكرت لكتابها الأبيض عندما رفضه كل من العرب واليهود. وقد كانت تعرف مسبقاً أنه سيرفض.
ثم جاءت إلى القدس "اللجنة الملكية" في 11 تشرين الثاني 1936 فقررت تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، (عدا القدس وما حولها التي تبقى تحت الانتداب ولا يسري عليها وعد بلفور).
رفض العرب توصيات هذه اللجنة، وأعلنوا الثورة فأضربوا عن العمل، وردت حكومة الانتداب على العرب بالكثير من البطش والاعتقالات والنفي. وقد بلغ عدد من أعدموا شنقاً في سجن عكا وحده (148) شهيداً، والحكم بالسجن المؤبد على زهاء الألفين. كما عمدت إلى نسف المنازل والدكاكين والمحلات العامة، وفرض العقوبات الجماعية.
لم يدع البريطانيون وسيلة من وسائل القمع والتنكيل بالعرب دون أن يستخدموها. لكن العرب استطاعوا، برغم ذلك، دفع بريطانيا إلى التراجع عن مشروع التقسيم، الذي اقترحته "لجنة بيل"، التي اعترفت أخيراً بأنه غير عملي.
حوى الكتاب الأبيض كثيراً من التعهدات التي من شأنها إزالة شيء من مخاوف العرب، ذلك أن بريطانيا عدلت عن التقسيم، كما أنها اعترفت بمبدأ الاستقلال، وحددت الهجرة، وقيدت بيوع الأراضي. ولكن العرب، على الرغم من ذلك، رفضوا الكتاب الأبيض لأسباب، أهمها أنه جعل تحقيق الاستقلال منوطاً بإسهام اليهود، في حين أن هؤلاء لن يقبلوا دولة ليست يهودية الطابع تماماً. أما اليهود فقد رفضوه لأنه أبعدهم عن هدفهم المنشود، على نحو ما، وهو إنشاء دولة يهودية صرف في فلسطين.
لم يكتف اليهود بمجرد الرفض قولاً، بل ذهبوا إلى أعمال عنف ضد بريطانيا فقاموا بمهاجمة محطة الإذاعة، ونشأت القوة العسكرية اليهودية (الهاجاناه) تحت إشراف الوكالة اليهودية. أكثر من ذلك، دفع اليهود رئيس وزراء بريطانيا آنذاك "ونستون تشرشل" لتأييدهم في إنشاء جيش يهودي صرف، بحجة المساهمة إلى جانب الحلفاء في الحرب التي كانت قائمة بين الحلفاء والمحور (1939 ـ 1945) تحت مسمى "الفيلق اليهودي".
 أما السلاح فقد وفره لهم البريطانيون بوسائل شتى، ومن مخازن الجيش البريطاني بالذات. كما ظهرت عصابات "الأرغون"، و"شتيرن" في هذه الأثناء (1944)، والتي أخذت تهاجم، بدورها، المنشآت البريطانية. وتوجه إلى قتل البريطانيين، فقتل عدد من رجال البوليس في آذار 1944، كما إنهم اغتالوا وزير الدولة البريطاني "اللورد موين" في 6 تشرين الثاني 1944 في القاهرة. وتبين فيما بعد أن "إسحاق شامير" الذي أصبح رئيساً للوزراء في الكيان الصهيوني، هو نفسه كان الفاعل. وقد حاولوا أيضاً اغتيال المندوب السامي البريطاني في القدس "هارولد ماكمايكل" في 8 آب 1944.
لم يكن رد الحكومة البريطانية على هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية الموجهة إلا إصدار بيان تناشد فيه الجناة بأن يكفوا عن أعمالهم هذه لأنها "تعرقل المجهود الحربي البريطاني، وتساعد العدو..!".
عمل اليهود، في هذه الأثناء، على تحويل جهودهم إلى الولايات المتحدة ـ بديلاً عن حليفتهم بريطانيا بعد أن ساءت الأمور بعض الشيء بينهم وبينها ـ إلى أن تمكنوا بالفعل من التأثير على الرئيس الأمريكي هاري ترومان، وحمله على التدخل لصالحهم، حتى إن هذا الرئيس بلغ به الأمر في تأييده لهم أن وجَّه كتاباً إلى رئيس الوزارة البريطانية "كليمنيت أتلي" يطالب فيه بفتح أبواب فلسطين لهجرة غير محددة، تبدأ بمائة ألف يهودي على الفور. توجه الصهاينة هذا إلى أمريكا لم يأت من فراغ، وإنما كان مرجعه أنهم أدركوا أن مركز القوة والثقل ينتقل إلى أمريكا وليس بريطانيا فدور هذه الأخيرة موشك على الانتهاء..
هذا ما كان يحدث منذ عقود وعقود، وما انفك يحدث حتى يوم الناس هذا. من هذا القبيل ما فعله الرئيس ترومان، دون أن يعمل أي حساب لردة فعل عربية إزاءه. فهو لم يستشر العرب في قراره الخالي من أي شعور بالمسؤولية القانونية، والأدبية، والإنسانية، ضارباً عرض الحائط أيضاً بما كان الرئيس الذي سبقه (روزفلت) وعد به الملك عبد العزيز آل سعود، في كتاب أرسله إليه في (5 نيسان 1945) جاء فيه أنه "لن يتخذ أي قرار فيما يتعلق بالوضع الأساسي في فلسطين من غير استشارة تامة مع كل من العرب واليهود".
في 31 تشرين الثاني 1945 جاء إلى القدس "السير ألن غورودن كاننغهام"، الذي يحمل أوسمة عديدة عالية، مندوباً سامياً على فلسطين، وهو المندوب السابع والأخير، على أمل أن يستطيع الرجل بقدراته العسكرية، تهدئة الثورة القائمة، إلا أن اليهود ازدادوا، في عهده، غلوَّاً، فقد ارتفع عدد اليهود تبعاً لاستمرار تدفقهم، بلا عوائق، إلى 625 ألف يهودي عام 1946 بعد أن كان عددهم دون الأربعمائة ألف عام 1937، مما شكل خطورة بالغة، وتهديداً مباشراً على الوجود العربي الفلسطيني في أرضه، إذ كان عدد العرب في حدود المليون نسمة، ناهيك عن تزايد عدد المستعمرات في أماكن مختلفة من فلسطين. أما مدينة القدس فكان فيها من اليهود (29 ألفاً) فقط، في حين كان عدد أهلها الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين (105 آلاف) نسمة.
بتأثير ضغط يهودي على أمريكا تألفت "اللجنة الأنجلو ـ أمريكية" من اثني عشر عضواً، مناصفة بين الإنكليز والأمريكيين. وقد تُوخِّي في اختيار أعضائها أن يكونوا من بين أشد المتعصبين للصهيونية. زارت اللجنة دول المنطقة، واستمعت إلى الأمين العام للجامعة العربية "عبد الرحمن عزام باشا". كانت الزيارة تمويهاً على ما يبيت في الخفاء، وذرَّاً للرماد في العيون أيضاً، للزعم بعدم انحيازها لأي من الفريقين. ولكن تبين بعد ذلك أنها أخذت في حسبانها وجهة النظر اليهودية تماماً، متجاهلة سائر المطالب الفلسطينية. ومن أشد قرارتها خبثاً وخطورة توصيتها "ببقاء الانتداب البريطاني على فلسطين إلى أن يتسنى اتفاق توضع بموجبه تحت وصاية الأمم المتحدة". وكان ذلك تمهيداً لفرض التقسيم.
إثر صدور تقرير اللجنة الأنكلو ـ أمريكية أضرب الفلسطينيون وثاروا. كذلك فعل العرب في سائر أقطارهم، وتداعوا إلى الاجتماع فعقدوا مؤتمر قمة عربية في زهراء أنشاص بمصر في 28 أيار 1946، حضره ملوك ورؤساء الدول العربية السبع آنذاك.ومن قرارات المؤتمر: "تأييد عرب فلسطين في نضالهم، وشد أزرهم بالمال وبجميع الوسائل الممكنة، لأن فلسطين قطر عربي، مصيره منوط بمصير دول الجامعة كافة. وأن الصهيونية خطر دائم ليس على فلسطين وحدها، بل على البلاد العربية كلها حتى الشعوب الإسلامية..".
بعد ذلك عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في بلودان في سورية من 8 ـ 12 حزيران 1946، وأصدر قرارات علنية وأخرى سرية. المعلن منها:
 1 ـ رفض أي شكل من أشكال التقسيم.
 2 ـ إنشاء لجان للدفاع عن فلسطين في كل دولة عربية.
3 ـ إصدار طابع باسم فلسطين يرصد مريعه للقضية..!
 4 ـ مقاطعة اليهود مقاطعة تامة في كل دولة.
 5 ـ طلب المفاوضة مع بريطانيا للوصول إلى حلٍّ مرضٍ.
أما المقررات السرية التي عرفت فيما بعد (ولم تعد سرية) فهي:
1 ـ حث الشعوب العربية على التطوع لنصرة عرب فلسطين بالمجاهدين وبالمال والسلاح.
2 ـ إذا قبلت الدولتان، البريطانية والأمريكية بتنفيذ توصيات "اللجنة البريطانية ـ الأمريكية" فعلى الدول العربية رفضها. كما إن عليها إعادة النظر في علاقاتها مع الدولتين فلا تسمح لهما ولرعاياهما بأي امتياز اقتصادي جديد، وأن تنظر في إلغاء ما لهما من امتيازات في البلاد العربية، وأن تقاطعهما مقاطعة (أدبية..!)، وألا تؤيد مصالحهما الخاصة في أية هيئة دولية..! (لو نفذ هذا البند وحده لما وقع التقسيم، ولما وقعت النكبة.
ولكن الدول العربية المنتجة للنفط، ولاسيما المملكة العربية السعودية امتنعت عن تنفيذه، وظل النفط العربي يتدفق على الولايات المتحدة وجميع أنحاء الغرب، الذي وطد الوجود اليهودي في الديار المقدسة).
عمل المؤتمرون في بلودان على توحيد الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية، وقد لبى رؤساء هذه الأحزاب رغبتهم فقصدوا بلودان، وتم الاتفاق على أن المصلحة القومية تقتضي توحيد الجهود من أجل البلاد، وشكلت لجنة "الهيئة العربية العليا"، برئاسة الحاج أمين الحسيني، وجمال الحسيني نائباً للرئيس، والدكتور حسين الخالدي سكرتيراً، وأحمد حلمي باشا وأميل الغوري أعضاء.
إزاء ذلك، وبسبب من تهاون الحكومة البريطانية حيال إرهاب العصابات الصهيونية، مضى هؤلاء في القيام بأعمال العنف والإرهاب إذ هم لا يرضون بديلاً عن قيام دولة يهودية لهم في فلسطين. من أعمالهم الإرهابية: خطف الجنود البريطانيين وقتلهم وتعليقهم على جذوع الأشجار، ونسف فندق الملك داوود، مقر الحكومة في القدس، كما نسفوا الجسور التي تربط فلسطين بكل سوريا ولبنان والأردن ومصر، وهاجموا المخافر والقطارات والسكك الحديدية.. الخ.
لم تكن الحكومة البريطانية عاجزة عن وقف هذه الأعمال الإرهابية، ولكنها آثرت اتخاذ موقف آخر يصب في المحصلة في صالح المشروع الصهيوني، ولذلك لاغرابة أن يصبح الإرهابيون الصهاينة الذين استهدفوا القوات والمصالح البريطانية رؤساء حكومات في إسرائيل، مثل "مناحيم بيغن" الذي كان هو نفسه من قام بنسف فندق الملك داود بالقدس، حيث قتل أكثر من مائة ممن كانوا فيه، معظمهم من رجال حكومة الانتداب البريطانيين. والقاتل و"اسحق شامير" وغيرهما.
عقد بعدها "مؤتمر لندن" في 28 كانون الثاني 1947، وشاركت فيه (الهيئة العربية العليا)، ووفود عربية أخرى. لكن اليهود قاطعوه، إذ كان شرطهم الوحيد المسبق لحضوره اتخاذه لقرار يحقق مطلبهم الأهم ألا وهو قيام (دولة يهودية على سائر أرض فلسطين).
هنا جاء وزير خارجية بريطانيا آنذاك "آرنست بيفن" بمشروع جديد، يقترح فيه استمرار الانتداب خمس سنين، تنشأ خلالها حكومات عربية محلية عربية ويهودية، تتمتع باستقلال ذاتي، ثم يعاد درس الموقف بعد انقضاء هذه السنين الخمس.
رفض القرار كل من العرب واليهود. طالب العرب بالاستقلال التام عملاً بمبدأ تقرير المصير، الذي تقره الشرعية الدولية، وعلى أن يجري وقف الهجرة اليهودية مهما كان عددها. أما اليهود فقد أصروا على فتح أبواب الهجرة على مصاريعها، بلا قيود ولا حدود، والمطلب الأزلي إياه قيام دولة اليهود.
وهنا فاجأت بريطانيا العالم بموقف ـ أغلب الظن أنه كان مبيتاً مسبقاً ومعدَّاً من قبل ـ وهو إعلان التخلي عن الانتداب، ورفع المسألة برمتها إلى الأمم المتحدة، لكي تقرر بشأنه ما تراه مناسباً حول مستقبل فلسطين. كان ذلك في 2 نيسان 1947 حين بدأت في الاستعداد للخروج من فلسطين. وقد حدث ذلك بالفعل في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947.
بقي البريطانيون في البلاد حتى 15 أيار 1948 عندما انسحب آخر جندي بريطاني. كما رحل في اليوم نفسه المندوب السامي عن القدس. وانتهى بذلك الوجود البريطاني في فلسطين، بعد انجازه لمهمته، في تنفيذ وعد بلفور في سابقة لامثيل لها في تاريخ الأمم والشعوب.
وهكذا شاركت بريطانيا وأمريكا ومعظم دول الغرب في إيقاع ظلم فادح على شعب فلسطين، لذي واجه النكبة، ولكن هذا الشعب لبث صامداً، مقاوماً، لا يستسلم في مواجهة قوى عاتية، وعلى الرغم من ذلك كله لم يفت في عضد الشعب الفلسطيني الذي يستمر في نضاله حتى نيل حقه في العودة والحرية والاستقلال، هذا النضال الذي فرض على المجتمع الدولي الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وإن بدرجة غير كافية، وجاء قبول دولة فلسطين عضواً مراقباً في المنظمة الدولية، في سياق هذا الاعتراف، الذي ستدفع به تضحيات شعب فلسطين كي يبلغ مداه، ولوبعد حين.

تعليقات:
تعليقات:
ملحوظة:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى كتابات وأراء
كتابات وأراء
محمد المقالح
سورية تتعرض للغزو الخارجي.. ونحن صامتون!
محمد المقالح
علي القحوم
عام جديد والثورة في اليمن مستمرة
علي القحوم
نقلا عن  الشرق الجديد
الوالي وعدوان الوهم العثماني
نقلا عن الشرق الجديد
المحامي محمد احمد الروسان
البنى التحتية للبروباغندا في الحدث السوري عبر برنامج "داربا"!
المحامي محمد احمد الروسان
د .يوسف الحاضري
غزة تُغزى وبني إخوان يغزون
د .يوسف الحاضري
د.طالب الصراف
اردوغان والعربان ينهبون ثروتنا ويقتلون شعبنا باموال نفطنا!
د.طالب الصراف
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2010-2021 حزب البعث العربي الإشتراكي-قطراليمن
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.036 ثانية